أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
71
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : فَتَطْرُدَهُمْ فيه وجهان : أحدهما : منصوب على جواب النفي بأحد معنيين فقط ، وهو انتفاء الطرد ، لانتفاء كون حسابهم عليه ، وحسابه عليهم ، لأنه ينتفي المسبب بانتفاء سببه . ولنوضح ذلك في مثال ، وهو : ما تأتينا فتحدّثنا بنصب « فتحدثنا » ، وهو يحتمل معنيين : أحدهما : انتفاء الإتيان ، وانتفاء الحديث ، كأنه قيل : ما يكون منك إتيان ، فكيف يقع منك حديث ؟ وهذا المعنى هو مقصود الآية الكريمة ، أي : ما يكون مؤاخذة كل واحد بحساب صاحبه ، فكيف يقع طرد ؟ . والمعنى الثاني : انتفاء الحديث ، وثبوت الإتيان ، كأنه قيل : تأتينا محدثا بل تأتينا غير محدث ، وهذا المعنى لا يليق بالآية الكريمة . والعلماء - رحمهم اللّه تعالى - وإن أطلقوا قولهم : إنّه منصوب على جواب النهي ، فإنّما يريدون المعنى الأول دون الثاني . والثاني : أن يكون منصوبا على جواب النهي . وأما قوله : « فَتَكُونَ » ففي نصبه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب عطفا على « فنّطردهم » والمعنى الإخبار بانتفاء حسابهم ، والطرد ، والظلم ، المسبب عن الطرد . قال الزمخشري : ويجوز أن يكون عطفا على « فَتَطْرُدَهُمْ » على وجه السبب ، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم » . والثاني : من وجهي النصب : أنه منصوب على جواب النهي في قوله : « وَلا تَطْرُدِ » . ولم يذكر مكي ولا الواحدي ولا أبو البقاء غيره . قال الشيخ « 1 » : وجوّزوا أن يكون « فَتَكُونَ » جوابا للنهي في قوله : « وَلا تَطْرُدِ » ، كقوله : لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ « 2 » ، وتكون الجملتان وجواب الأول اعتراضا بين النهي وجوابه » . قلت : قد تقدم أن كونهما اعتراضا لا يتوقف على عود الضميرين في قوله : « حِسابِهِمْ » و « عَلَيْهِمْ » على المشركين ، كما هو المفهوم من قوله ههنا ، وإن كان كلامه قبل ذلك - كما حكيته عنه - يشعر بذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) قوله : وَكَذلِكَ فَتَنَّا . الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف ، والتقدير : ومثل ذلك الفتون المتقدم الذي فهم من سياق أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمة ببعض ، فالإشارة بذلك إلى الفتون المدلول عليه بقوله : « فَتَنَّا » ، ولذلك قال الزمخشري : « ومثل ذلك الفتن العظيم فتن بعض الناس ببعض » . فجعل الإشارة المصدر « فَتَنَّا » . وانظر كيف لم يتلفظ هو بإسناد الفتنة إلى اللّه تعالى في كلامه ، وإن كان الباري تعالى قد أسندها ، بل قال : « فتن بعض
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 138 ) . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 61 ) .